علي بن محمد التركه
622
شرح فصوص الحكم
- ( فأتى سليمان بالرحمتين : رحمة الامتنان ، ورحمة الوجوب ، اللتان هما الرحمن الرحيم ) كاشفا بهما عن معنى اسم الله ، المصدّر به الكتاب ، تبيينا للذّات بأظهر أوصافها ، وتحقيقا لمبادئ ما ظهر من الكثرة الكونيّة في الوحدة الوجوديّة ( فامتنّ بالرحمن ) - أي بتعميم الرحمة والوجود على الكل بدون سابقة استعداد مقتضية لها ، كما قال تعالى : * ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) * [ 7 / 156 ] - ( وأوجب بالرحيم ) أي بتخصيص الرحمة التي هي العلم والكمالات على من يستجلبها باستعداده ، كما قال : * ( فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) * [ 7 / 156 ] . [ عموميّة اسم الرحيم ودخوله في الرحمن بالتضمّن ] وإذ قد ظهر لك أنّ الرحمة الامتنانيّة « 1 » حيث ليس للمرحوم عين أصلا ، ثمّ بها ظهر المرحومون وعمّت لهم ، والوجوبية حيث ليس للمرحومين كمال ثمّ بها انفردوا بالكمال وخصّوا بما يليق به انتسابهم إلى جناب الراحم وجلاله الأحدي : كأن إلى مثل هذا المعنى أشار قول إمام المحقّقين جعفر الصادق « 2 » : « الرحمن اسم خاصّ صفته عامة . والرحيم اسم عامّ صفته خاصّة » . وبيّن أنّ الوجود العام - يعني الرحمة الامتنانية - له الإحاطة بالكل :
--> « 1 » ولعل في قوله سبحانه : الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ 20 / 50 ] إشارة إلى الرحمتين ، ومن هاهنا كأنه قيل : إن الرحمة الرحمانية بمنزلة المادة المنتشرة ، والرحمة الرحيمية بمنزلة الصورة الاختصاصية المخصصة المنوعة ، والهداية الاختصاصية وإن كانت مختصة بأرباب الكمال ، ولكن كمال أهل الكمال من الأنبياء المقربين عليهم السّلام هو بعينه الغاية المقصودة من خلقة كل شيء ، فإنه بمنزلة تمام التمامات وكمال الكمالات ، سيما في المواد الختمية من المحمدية والآلية صلّى اللّه عليهم أجمعين - تفطن فإنه لطيف شريف - نوري . « 2 » مجمع البيان : 1 / 21 ، مرسلا مع فرق يسير .